أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

15

التوحيد

ثم لا نعلم كتابة بلا كاتب ، ولا تفرّقا إلا بمفرّق ، وكذلك الاجتماع ، وكذلك السّكون والحركة ، فيلزم في جملة العالم ذلك ؛ إذ هو مؤلّف مفرّق ، بل الأعجوبة في تأليف العالم أرفع ، فهو أحقّ أن لا يتفرق ولا يجتمع إلا بغيره ، ثم كل ما في الشاهد من التأليف والكتابة يكون أحدث ممّن به كان ، فمثله جميع العالم ؛ إذ هو في معنى ما ذكرت ، وباللّه التوفيق . ولو تكلّف الاستقصاء في مثل هذا ليخرج عن طوق البشر ؛ إذ ما من شيء ممّا يحسّ أو يسمع به من أجزاء العالم إلّا ودلالة حدثه ظاهرة : من جهله بابتداء حاله ، وبإصلاح ما يفسد ، أو ينشئ مثله ، وعجزه عما به حفظ نفسه أو تقليبه عن جوهره ، مع ما فيه الخبيث والقبيح والذليل والمهان الذي لولا تدبير غيره فيه ما احتمل أن يكون كذلك ، وباللّه التوفيق . ثم معلوم أن تكون الحركة والسكون والاجتماع والتفرق غير الجسم ؛ إذ قد يكون جسما متفرقا يجتمع ، ومتحركا يسكن ، فلو كان لنفسه يكون كذلك لم يكن ليحتمل مضادات الأحوال على بقاء الجسم بحاله . وعلى هذا يخرّج الفناء والبقاء ؛ إذ قد يوجد غير باق ولا فان في أوقات ، فيلزم أن يكون غيره ، وكذلك من أراد بقاء الشيء أو فناءه يقصد إلى غير الوجه الذي يقصد بالآخر ، ثبت أنهما غيران يحلّان . وكثير من المعتزلة يقولون بهذا في الأوّل ، ويأبون في البقاء والفناء ، مع ما يبطل قولهم ؛ إذ كان مختلفا بنفسه في احتمال ذلك ، ولو جاز ذلك وجاز بقاء الأجسام بأنفسها لجاز كونها لا بغير . على أن هذا بالمعتزلة أولى ؛ لأنهم لا يجعلون من اللّه إلى جملة العالم غير العالم ، به كان العالم ؛ إذ الإرادة يجعلونها من العالم والفعل كذلك ، وذاته كان موجودا عندهم ولم يكن العالم ولم يحدث شيء سوى كون العالم ، فإذا كان بنفسه وبه يبقى ، وفي ذلك فساد التوحيد ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم قد ثبت التغاير ، واختلف أهل الكلام في مائية اسم ذلك : فمنهم من يسميه عرضا ، ومنهم من يسميه صفة . وحقّ هذه المسألة التسليم لما يجري الاصطلاح به ؛ لما يراد بالتسمية التعريف وإفهام المراد ، فأيّ شيء يعمل ذلك كفى ، ولا يعرف الاسم بالعقل والقياس . كذلك قولنا في تخطئة قول الكعبي ، إنّه لما ثبت أنّه ليس بجسم بان أنّه عرض . قال أبو منصور رحمه اللّه : وإنما يجب ذلك إذا سلّم أنّ ما سوى الجسم من الخلق عرض ، وفي كتاب اللّه تسمية العرض على إرادة أعين الأشياء كقوله تعالى : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا [ الأنفال : 67 ] ، وقوله : لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً [ التوبة : 42 ] ، فعلى هذا تسمية ذلك صفة أقرب إلى الأسماء الإسلامية ، ولا قوة إلّا باللّه .